الغزالي
53
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
ثم إن الغاصب انطلق بالسمكة إلى منزله وسلّمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها ، فلمّا شوتها وضعتها بين يديه على المائدة فمدّ يده ليأكل منها ففتحت السمكة فاها ونكزت إصبعه نكزة سلبت قراره ، وأزالت لشدّة نكزتها اصطباره ؛ فشكا حاله إلى الطبيب وذكر ما ناله ، فقال له الطبيب : ينبغي أن تقطع هذه الأصبع لئلا يسري الألم إلى جميع الكفّ . فقطع إصبعه فانتقل الألم إلى الكفّ وازداد تألمه وارتعدت من خوفه فرائصه ، فقال له الطبيب : ينبغي أن تقطع اليد من المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد . فقطع يده من المعصم فانتقل الألم إلى ساعده ، فقال له الطبيب : ينبغي أن تقطع الساعد لئلا يسري الألم إلى الكتف . فقطع الساعد فانتقل الألم إلى الكتف وتوجّع ، فخرج هائما على وجهه داعيا إلى ربه ليكشف ما نزل به ، فرأى شجرة فانكفأ إليها ، فأخذه النوم ؛ فرأى في منامه كأن قائلا يقول له : يا مسكين إلى كم تقطع يدك ، امض إلى خصمك وأرضه ! فانتبه وتفكّر وتذكّر وقال : إنني أخذت السمكة غصبا ، وأوجعت الصياد ضربا ، وهي التي نكزتني . فنهض وقصد المدينة وطلب الصياد فوجده ، فوقع بين يديه والتمس الإقالة وأعطاه شيئا من ماله وتاب من فعله ، فرضي عنه خصمه ، ففي الحال سكن ألمه وبات تلك الليلة على فراشه وتاب وأقلع عمّا كان يصنع ، ونام على توبة خالصة ؛ ففي اليوم الثاني تداركته رحمة ربه ورد يده كما كانت بقدرته ، فنزل الوحي على موسى عليه السلام : أن يا موسى وعزّتي وجلالي وقدرتي لولا أن الرجل أرضى خصمه لعذّبته مهما امتدّت به حياته . حكاية : كان موسى عليه السلام يناجي ربّه عزّ وجلّ على الطور ، فقال في مناجاته : إلهي أرني عدلك وإنصافك . فقال له : أنت رجل عجول حاد جريء لا تقدر أن تصبر . فقال : أقدر على الصبر بتوفيقك . فقال : اقصد العين الفلانية واختف بإزائها وانظر إلى قدرتي وعلمي بالغيوب . فمضى موسى وصعد إلى تلّ بإزاء تلك العين وقعد مختفيا ؛ فوصل إلى العين فارس ، فنزل عن فرسه وتوضأ من العين وشرب من مائها ، وحلّ من وسطه هميانا فيه ألف دينار ، فوضعه إلى جانبه وصلّى . ثم ركب ونسي الهميان في موضعه وسار فجاء صبي صغير فشرب من العين وأخذ الهميان ، فجاء بعد الصبي شيخ أعمى فشرب من الماء وتوضأ ووقف في الصلاة ، فذكر الفارس الهميان فعاد من طريقه إلى العين فوجد الشيخ فلزمه وقال : إني نسيت هميانا فيه ألف دينار في هذا الموضع هذه الساعة وما جاء إلى هذا المكان سواك . فقال الأعمى : تعلم أني رجل أعمى فكيف أبصرت هميانك ؟ فغضب الفارس من